عن الرعب المضحك

لربما كان أبلغ ما قرأت هذا الشهر هو إطلاق صديقي أحمد للإحساس العجيب الذي لطالما انتابني عند أغنية عظيمة ما، أو مشهد ساحر، أو نوتة موسيقية صافية على الكمان -مما قد يدفعني لبكاء لا مبرر- على أنه “رعب مضحك” *. ما هو ذاك الشعور تحديدًا الذي يحاول جسدي -لا إراديًا- معالجته بالدموع، لمجرد سماعي لنوتة F sharp نقية، طويلة، متصلة خلال درس الكمان؟ وما معنى أن تهزني أغنية مثل هذه  بقدر لا معقول دون أن أفهم كلمة واحدة مما يقال؟

سؤال “المعنى” هنا سؤال مضلل. فلا أرى معنى أو فائدة أو فكرة يمكن إدراكها ووصفها وتفكيكها في هذه المواقف. إنما أرى أن هذا منبع الرعب؛ أشياء لا نرى معناها لكنها تمس ذواتنا ودواخلنا بخفاء. إنما هو مضحك لأن ليس في الأشياء ذاتها ما يخيف. على العكس، فتلك الأغنية من أعظم ما سمعت. وكدت أن أطلب من معلمتي ألا تتوقف عن عزف تلك النوتة دقيقةً أخرى لجمالها. هو ذات الرعب المضحك الذي شعرت به قبل عامين حين خرجت من شقتي في بوسطن في الثانية ليلا وجبت في شوارع الحي ولا أثر لمخلوق غيري -عدا نوع من الطيور الليلية!-. هي ذات الشوارع التي تكتظ بكل أشكال وألوان الناس صباحًا. جلست في حديقة صغيرة، نفس الحديقة التي عادة ما تمتلئ كراسيها بشيبان يدخنون من بيت الرعاية المجاور. كان كل شيء ساكنًا بشكل مرعب. أين اختفى الناس فجأة؟ كل ما كنت أشعر به حينها أن الشوارع والحديقة والحي والسماء وأنوار الرصيف كلها كانت جزءا من فناء منزلنا، شعور مرعب مضحك – كيف يختفي الناس فجأة ليلًا، كيف تسكن المدينة الصاخبة عند ساعة معينة، كيف حالَ -شعوريًّا- شارع بعيد إلى جزء من “بيتي” في لحظة؟

تذكرت تلك الليلة بذاتها حين كنا عائدين للبيت في الواحدة ليلا بعد حفلة First Aid Kit قبل أمس. عند ذهابنا للمحطة لنلحق قطار أمستردام كانت الساعة الخامسة والنصف عصرا، ذروة ساعة الذروة والدراجات تجيء وتروح من كل الاتجاهات وبكل السرعات. سلكنا نفس الطرق في عودتنا بعد منتصف الليل، لكن لم يبدُ أي شيء كما كان قبل ست ساعات مضت! لست أخشى الظلام أو وحوشًا تخرج قبل الفجر، لكن من المضحك والمرعب للغاية أن يتبدل كل شيء هكذا في غضون بضع ساعات، كل يوم، للأبد، ومنذ البدء! 

من المرعب المضحك أنني أكتب هذه الكلمات الآن جالسًا في مبنى كان مجرد حلم وخيال وصورة -قبل عام بالضبط- من منشورات تعريفية بجامعة ئوترخت التي كنت لازلت أُعد طلب الانضمام لها. من المرعب المضحك أنني صحوت اليوم من حلم قديم لم يزرني منذ سنين، كنت فيه نفسي قبل ثمان سنوات. أين هي تلك النفس القديمة مختبئة حتى تطفو في المنام؟ 

الرعب المضحك إنما هو أكثر المشاعر حقيقة، هو ذاك الذي يذكّرنا أننا رغم كل شيء -منطقيتنا، تفردنا، ظنوننا، مظاهرنا، أفكارنا، ذكرياتنا…إلخ- لسنا أكثر من تركيبات وتركبّات من جمع عجيب من الأشياء التي لا نفهمها -وليس لنا أن نعيها-. الرعب المضحك هو سخرية الوجود من معرفتنا (بأنفسنا) التي دائما ما نغالي بها رغم ضآلتها.

 

ـــــــــــــــ

* لست أدري إن كان هذا بالضبط ما يعنيه أحمد بالمرعب بشكل مضحك، لكن هذا المعنى ارتبط بذهني بقوة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.