ما أحوج إنسان اليوم للإنسانيات!

لا يخفى على أحدنا حالة “الذهول” التي نمر بها الآن. وأعني بذلك تمامًا حيرتنا من موقعنا الجديد في هذا الوجود، ألسنا ملوك الأرض وما عليها؟ وبذات الحين، أقصد عجزنا اللامتناهي كأفراد أمام تضاربات العصر من إرهاب وخلافات لا نعلم لها أصلًا ولا نهاية. مؤخرًا بالذات، أدرك الكثير منّا أن ما بنا من نعمة تركتها الأحافير لنا إنما هو زائل، وأننا على عتبة عصر جديد.

لكن يبقى السؤال، أين نقف من كل هذا؟

حضرت مؤخرًا عدة جلسات عقدتها الفيلسوفة روزي بريدوتي Rosi Braidotti ضمن برنامج جامعي تحدثت فيها عن أزمة/فرصة ‘ما بعد الإنسان’ [the Posthuman] حيث ترى أن مركز الإنسانية -كنوع بيولوجي وكعرق وفلسفة- بدأ يهتز بشدة بدءا من الحرب العالمية الثانية وانتهاء بما نصنعه من ذكاء صناعي وهندسة جينية. بذات الحين، نرى الفساد ظاهرا في البر والبحر بما تكسب أيدينا من استهتار واستغلال وجشع، حتى تكاد الأرض تميل بنا وبما عليها.

Albatross at Midway Atoll Refuge (8080507529)

أحقًا نحن مركز هذه الأرض كما كنا نظن أننا مركز الكون؟ ثم ما هو الإنسان الذي نتحدث عنه؟ حتما هو ليس نفسه إنسان ألف عام مضى، أو حتى مئتي عام مضت. هل كانت النساء أناسًا منذ الأزل؟ لمْ يظن كثيرون ذلك..

لم ترقَ المرأة لمنزلة الإنسانية إلا مؤخرًا في الفكر الغربي، بل إنه حتى حين ثار الفرنسيون ثورتهم لنيل حقوقهم لم يكن للنساء ذاك النصيب منها أول الأمر. فمثلا، أُعدمت أوليمپ دو غوج لمطالباتها بأن يكون للنساء ما للرجل [Man] من حقوق مدنية في بيانها “عن حقوق المرأة والمواطنة”. أما اليوم، فالغرب ذاته لا يفتأ يحاول يلقننا دروسًا في حقوق المرأة ناسيا ما قد مضى.

لكن سؤالي، إلى أي مدى يُتبع المنتصِر بشكل أعمى؟

ليس التفاخر بما جرّتنا إليه الثقافة والفكر الغربي عيبًا بذاته، فالثورة العلمية وحدها جعلت من الإنسان في بضع قرون من الزمن مخلوقا يضاهي آلهة الأولين! وفي ذا العصر يعيش كثير من البشر في راحة ورفاهية لم يكن يحلم بها ملوك الأسبقين. هل نحن جاهزون فكريًّا وأخلاقيًّا وعاطفيًّا لمواجهة هذا العهد الجديد الذي خطوناه للتو؟ كيف لنا أن نجيب على هذا السؤال؟ في الواقع، إن كنت سعوديا فأنت حتما تعلم أنك تشارك هذه الجنسية مع آلة يقال أنها “ذكية”. ما معنى أي من هذا؟ مجرد خيال حالم؟ حتما لم يبدُ الأمر كذلك!

 

بقدر ما أن هذه الأسئلة مقلقة وفي ظاهرها مفخخة، إلا أنها أسئلة حقيقية نواجهها يوميا وسنواجهها بشكل أكثر حدة قريبا جدا. لا يبدو الأمر مبشرا من نواحٍ عدة، وبت أشعر أننا صرنا من ذهولنا نتخبط متمسكين بكل ما يمكن أن يعطينا أمانا -ولو زائفا-.

الأمل الحقيقي كما بيّنت لنا روزي في اللقاء الأخير إنما يكمن في وعينا وإدراكنا لما يحدث حولنا، على أن نكون متسلّحين بما نحتاجه من أدوات لتحليل الأفكار والأحداث الجديدة التي تنبع حولنا. وهذا لا يكون إلا حين نحدّق فيما نملك وفيما يردنا من أفكار بتمحيص الفلسفة، وتحليل علم الاجتماع، وإنصاف التاريخ، وعطف علم النفس وروح الفن … إنما في العلوم الإنسانية تكمن الأجوبة التي نحن بحاجة لها. وكما تصفها روزي، فإن هذه العلوم خرائط للفكر الإنساني، تخبرنا أين نقف، وأين نحن متجهون.

إن كان التطرف فكرة، وإن كان الدواعش مسلحين بعواطف وأوهام لا نفهمها، فإن كل قنابل العالم لن تبيد الإرهاب بل ستولّد منابع جديدة له.

أجزم أن أسوأ ما يمر بهذا العصر هو أمراضه الفكرية التي لا يكترث لها الكثيرون. إنما نحن نملك من العلم والقدرة والمال والقوة والعتاد ما يمكننا إلى إبادة الفقر والجوع، وموازنة استهلاكنا للموارد، واحترام الحياة حولنا بأي شكل وجدت. لكننا كثيرا ما نتغافل عن جهلنا، ونتجاهل حاجتنا لأن نفهم حاجاتنا الإنسانية وموقفنا من كل هذا – بعيدًا عما أنعم الله علينا من رغد عيش مادي.

إن هذه العلوم الإنسانية هي القادرة على جلب شيء من الطمئنينة لأنفسنا، وإن نحن تمثّلنا الإنسانية -أو البَعدإنسانية- التي لربما يدعونا إليها تقدمنا في هذه العلوم، فإننا حتمًا سنقدر على جمع ذلك مع ما عندنا من علم بالطبيعة لنُحيل هذه الأرض جنةً لله في أرضه !

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.