مشكلة المثليّة الجنسية

640px-Rainbow-diagram-ROYGBIV.svg

يضج العالم بمسألة المثلية الجنسية مؤخرًا تبعًا لإقرار المحكمة العليا الأمريكية بشرعية زواج المثليين -أو الشواذ- جنسيًّا في جميع الولايات الأمريكية. بالطبع، ليست أمريكا أول من شرع لعلاقات مثلية رسمية، بل تعتبر متأخرة إذا ما قورنت ببعض الدول الغربية الأخرى كما في أوروبا مثلا.
من الطبيعي -والمزعج والمثير للسخرية- أن العالم من أقصاه لأدناه ضج بهذا القرار، فهذه أمريكا على كل حال! بشكل ما، أرى أن هذا التوقيت الأنسب لهذه التدوينة رغم أني أردت نشرها من فترة. ببساطة، لأن أذهان الكثيرين الآن مشغولة بهذا الأمر في عالمنا العربي بعدما أصدرت ماما أمريكا قرارها المخيب للآمال!

لكن ما مشكلة المثلية الجنسية؟ لم كل هذه الضجة؟ لم قد يغضب أحدنا ويجزم بأن كوكبنا مصيره الهلاك لأن دولا أكثر وأكثر باتت تشرعن للرجل أن يتزوج رجلًا وللمرأة أن تتزوج امرأة؟

الجواب الأبسط: لأن هذا خارج عن الطبيعة والفطرة السليمة. لكن هذا الجواب سطحيٌّ سطحية مفرداته. فلا يمكن لأحد أن يفسر حقيقة `الفطرة السليمة` وليس لأحد من البشر أن يحدد ما هو طبيعي مما هو خارج عنه. فبشكل ما فكل ما يحدث على كوكبنا `طبيعي` كونه نتاج عناصر وعوامل ضمن الطبيعة. يمكن لأحدنا أن يقول بأن التغير المناخي الذي يعانيه كوكبنا `ليس بطبيعي` أو أن وجبة ما `أكثر طبيعية` من أخرى  لكن هذه السياقات تُفهم بناء على تفرقة نخلقها بين ما يتدخل الإنسان فيه وما يحدث دون تدخل الإنسان. فشجرة توت بغابة أكثر طبيعية من توت أشجارٍ معدلة وراثيًا وما إلى ذلك. لكن في سياقنا، كيف تكون المثلية `ليست طبيعية`؟ هذه الحجة تقوم على افتراض بسيط ومبرر تمامًا.

 إذا افترضنا أن الفرد من الكائنات الحية يعيش عمرًا محدودًا فإن استمرارية هذه الكائنات ككل مرهونة بتكاثرها. بناء على طبيعة كوكبنا فالتكاثر يستلزم في كثير من الأحيان عملية جنسية بين ذكر وأنثى ينتج عنه مولود بشري جديد. البشرية تعي هذا جيدًا حتى قبل أن تطلق على نفسها اسمًا. كل الكائنات الحية `تعرف` جيدًا أن عليها أن تتكاثر، بل إن البيولوجيين يزعمون أن وظيفة الكائنات الحية في الوجود هي أن تتكاثر. لو أن وسيلة تكاثر كائن حي هي الجنس بين ذكر وأنثى فأن تأتي إحداهن وتبتدئ اعتزال الذكور ومضاجعة الإناث عوضًا عن ذلك، مما لا ينتج نسلاً، لهيَ فكرة غبية حقا! هذه الأنثى تساهم مباشرة في تهديد استمرارية الكائن الحي ككل بفعلها هذا. بالطبع فإن وظيفة الجنس في حياة الفرد هي التكاثر لا غير. أي نشاط جنسي لا ينتج عنه نسل هو نشاط غير طبيعي، يجر بجنس الكائن الحي بأكمله إلى هاوية لا خروج منها..

لكن هذه الحجة وهذه الافتراضات تثير بعض التساؤلات لو اعتبرنا الكائن الحي المذكور آنفا إنسانًا. فماذا عن الرهبان الذين يعتزلون الجنس بالكلية مفرغين حياتهم لأجل دينهم؟ ألا يهددون استمرارية البشرية بالضبط كما يهدد رجل ما يتخذ عشيقا استمرار بقائنا على الكوكب؟ وماذا عن حقيقة أن البشر اليوم في الواقع بحاجة إلى أن `يتكاثروا` بشكل أقل لضمان استمرارية وجودنا؟ تعداد البشر على الكوكب في ازدياد مضطرد، وثلة من `الشواذ` قد لا تعيق استمراريتنا بل على العكس، قد تساعدنا!


يحتج بعض مناصري المثليين أيضا ليدللوا على طبيعية هذا الفعل بأن كثيرًا من الحيوانات الأخرى التي تعتمد على الجنس في تكاثرها تمارس الجنس المثلي أيضًا. في كل الأحوال، فإن ممارسي الجنس المثليّ أقلية ضئيلة لن تؤثر على مصير النوع ككل. لكن هل نحن بحاجة إلى استخدام هذه الحجة أصلا؟ لطالما اعتز البشر ببشريتهم وفرقوا بينهم وبين بقية الحيوانات. فغالب البشر لا يرون أن وظيفتنا في الوجود هي التكاثر لا أكثر، كما هو الأمر مع بقية الحيوانات. هذه مسألة فلسفية لا تسع مناقشتها هنا، لكن يمكننا أن نسلم بأن البشر يظنون أن معنى وجودهم أعمق وأعقد من سائر المخلوقات. فهل يمكننا الآن أن نصر بأن المغزى من ممارسة الجنس عند البشر محصور بالتكاثر فقط؟ الشواهد تدل على غير ذلك. ممارسة الجنس عند البشر أعقد من كونها وسيلة تكاثر فقط، كما أن حياة البشر ككل أعقد من كونها وسيلة للتكاثر فقط. الجنس صلة. الجنس امتزاج روحين. الجنس لذة سماوية. الجنس صرخة الحب وصخب الحلول. أساليب منع الحمل في ازدياد، وتلاقي قبولًا واسعًا بين أطياف المجتمعات. الممارسة الجنسية في حد ذاتها عند البشر ليست محصورة في التكاثر فقط وهناك صنوف من الممارسات الجنسية التي لا ينتج عنها مولود، أبسطها الاستمناء! إن افترضنا أن الهدف من كل ممارسة جنسية هو التكاثر، فكل ممارسة جنسية لا ينتج عنها مولود ممارسة خاطئة. لك أن تؤمن بهذا كما يؤمن كثيرون. لكن لمَ؟ ما الضرر؟  

فإن كان الجنس أكثر من مجرد وسيلة تكاثر، وإن كان الامتناع عن التكاثر حسنة في عصرنا، فما مشكلة المثلية؟

الحجج الأصعب تفكيكا هي الحجج النابعة من دين. يمكن لنا أن نحلل حكما دينيا ما بشتى الأدوات لكن بنهاية المطاف، فإن الإيمان خيار شخصي عاطفي محض. تحرّم الكثير من الأديان الممارسة المثلية، وعند معتنقيها فإن هذا أمر كاف لتجريم هكذا ممارسة. لكن أليس لأحدنا أن يتساءل لمَ تحرم هذه الممارسة؟ على ما يبدو أن الحجة الأقوى لتحريمها هي عدم طبيعيتها. أتفهم حجة كهذه قبل آلاف السنين، حين كان تعداد البشر على الكوكب جزءا يسيرا مما هو الآن. وأتفهم رغبة أصحاب الأديان بالتكاثر حتى ينتشر دينهم وتقوى شوكتهم. لكن ما معنى كل هذا اليوم؟ ليس أصحاب الأديان بالأقلية. ولا يبدو أن المثلية الجنسية سلوك مختار في كثير من الأحيان. تقوم الأديان من منطلق اختيار الخير والابتعاد عن الشر، لكن ماذا لو لم تكن مخيرًا أصلا في أمر كهذا؟ لك طبعا أن تحرم نفسك من الحب ومن الرفقة ومن استكشاف أعماق روحك ووجودك مع من تحب لتظل وحيدًا كارهًا ما خلقك الله عليه ولربما استسلمت وأخذت حياتك بيدك في النهاية. لكن أهذا ما يريده الله منا؟ أن يعيش بعضنا في حيرة وريب عظيم، فقط لأنهم ليسوا كأغلب البشر ولا يجدون شهوة فيما يشتهيه البشر؟ أن تحاول العيش ميقنًا وجازمًا بأن الله خلقك في صورة مشوهة غير سوية؟ أن تظن بأنك طاعون يمشي على الأرض؟

أتفهّم إلى حد كبير أن يتقزز أحدنا من الممارسة المثلية، بالضبط كما قد يتقزز مثليٌّ من الممارسة المغايرة بين ذكر وأنثى. من الطبيعي أن تستعجب وألا تفهم لم ينصرف رجل عن الأنثى ويختار الذكر، أو الأنثى مع الأنثى. هذا لأن ليس لأحد منا أن يحل بوعي غيره. ليس لأحد منا أن يحل بجسد آخر ويتجسد شعوره. ليس لأحد منا أن يعرف حقا معنى أن يكون مثليًّا إن لم يكن هو في ذاته أحدهم. لأجل هذا ليس عند أحدنا الحق بأن يفترض أن ما هو عليه الحقُّ المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه. فأنا لا أعلم ما الذي بقلبك ولا أنت تدري ما الذي بقلبي. ليس لأحدنا الحق أن يقصي وجود آخرٍ لأن مشاعر هذا الآخر مستعصية عليه. ليس لأحدنا أن يجرّم ممارسة بريئة لا تؤذي أحدا لأنها لا تروقه. إن من ضرب الجنون أن يقوم شخص ما بحرق كل ما تطاله يداه من قنبيط لأن بجيناته ما يجعلها مُرّة المذاق على لسانه بينما يحبها غيره. من ضرب الجنون أن نفترض بأن كل من يحب غير ما نحب مستحق للعقوبة، مهما كان ما يحبه مُرًّا بالنسبة لنا…

إني أيضًا أتفهّم قلقك على وجود الجنس البشري، وأتفهم غريزتك التي تجرك على الاعتقاد بأن هكذا ممارسة كارثة. أعتقد جازمًا بأن هناك أمر فطري بأعماقنا مؤمن ومتشبث بضرورية استمرار نوعنا على الكوكب؛ كسائر المخلوقات على وجه البسيطة. ولا أستبعد أبدًا أن ذات الشعور وذات النزعة قد تقودنا لأن ننفر من ممارسةٍ في ظاهرها مضادة لاستمرارية وجودنا. لكن ليس على النزعات والمشاعر أن تحكمنا دون أن نسائلها ونحاكمها. الحياة حولنا أعقد من أن ندعي إدراكها، ووجودنا أعمق من أن ننصب أنفسنا  حكّامًا على غيرنا. لو كانت المثلية الجنسية نتيجة جينية – كما تشير بعض الأبحاث– فلمَ تزال موجودةً حتى الآن منذ أن ظهرت أول مرة إن كانت حقًّا تهدد بقاء الكائنات التي يمارسها بعض من أفرادها؟
بنهاية المطاف، ما يدريك لعل انتشار المثليين على الأرض أكثر مما كنا نظن إنما هو `ردة فعل الطبيعة` على تعداد البشر المهول. هذا مجرد خيال،  لكن تأمل براغيث الماء وكيف تتحول من التكاثر اللاجنسي للتكاثر الجنسي بناء على الظروف المحيطة بها. ليست الواحدة من هذه الكائنات مدركةً لما يحيط بها لتتخذ قرارًا بالتوقف عن إنجاب إناث قادرات على التكاثر اللاجنسي وإنجاب ذكور عوضًا عن ذلك. لكن ما يحدث فعلا أنه تحت ظروف معينة تبدأ الإناث بإنجاب ذكور يتكاثرون جنسيًّا بعد أجيال من التكاثر اللاجنسي.

 

هذا حديث وتساؤل عن الممارسة المثلية في ذاتها. لم ولن أتطرق لمسائل الزواج بين المثليين وكل التعقيدات السياسية المتعلقة بها. سؤالي يظل بحاجة لإجابة؛ ما مشكلة المثلية الجنسية؟ بنهاية المطاف، كل ما أرجوه هو أن نسائل سلوكنا قبل مساءلة أفكارنا. لا يملك أحدنا مبررًا للعنف وكره الغير فقط لأنه مختلف. لن ينقرض البشر ولن تنقلب الأرض لو أحب أناس ناسًا دون غيرهم. مشكلة أحدنا مع المثلية قد تكون مشكلة شخصية ذاتية أو عقدية لا يمكن لنا مساءلتها أصلًا. لكن وإن كانت كذلك، فلا حل إلا التصالح مع الغير وإعطاؤهم حقهم بالحياة والوجود. لا عقيدة ولا قلب سليم يدعوان للكراهية والعنف دونما مبرر عادل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.